طارق اللموشي: “أنا أحب الجريمة، أحب الألغاز، أحب الأشباح”

تلك الأفلام التي تجعلنا نختبأ تحت أغطيتنا هلعا. السواد الغالب والموسيقى المخيفة، العيون المتوهجة بالشر والدماء في كل مكان. الغابات المظلمة والأشباح التي تسكن الفنادق المهجورة. الجبال التي تموت فيها العذارى وتتحولن إلى جنيات شريرات تقتلن كل من يمرون من هناك. مهرجون وقتلة ومصاصو دماء. الجانب المظلم من الإنسان الذي يولد معه ويموت معه وترجمه الإبداع إلى إنتاجات مذهلة تحرك ملايين الشحنات من الأدرينالين في نفوس ملايين المشاهدين. كل تلك الأشياء الغريبة، المخيفة والغامضة هي ما يلهم شخصيتنا المحاورة لهذا اليوم.

هو طارق اللموشي الذي يعرف نفسه فيقول: “تحصلت على الاستاذية في التسويق. أعمل مع المجتمع المدني في التدريب والتأطير وأملك خبرة تزيد عن العشر سنوات في مجال النشاط والعمل المدني. درست في جامعة خاصة لمدة ثمانية سنوات. ساخر، ذو خيال واسع، حازم وأؤمن بالأبعاد الأخرى وبأنّ هذا العالم أوسع بكثير مما نعرفه

قصتك مع الكتابة؟

بدأت الكتابة في عمر صغير مع صديقين لي. كنا نعشق روايات أدهم صبري وملف المستقبل فكنا نكتب الألغاز ونتبادلها فيما بيننا. كنا نحس بالخجل ولا نريد لأي شخص آخر أن يقرأ ما نكتبه. بعد ذلك نسيت تلك الفترة وانشغلت بالحياة والدراسة إلى أن عدت إلى الكتابة في الثلاثينات من عمري تحديدا بين سنة 2012 و2013

لأنني أدركت أن الكتابة تسكنني وأنني مهما ابتعدت عنها فهي لن تتركني ولن تخرج مني. فانطلقت وقررت ألا أعود إلى الوراء. خاصة وأنّني كنت أضع نفسي وأتقمص شخصية كل بطل أقرأ عنه أو أشاهده.

الطفولة

كنت أريد أن يكون لي طاقة خارقة لكي أنقذ الكرة الأرضية في حالة ما إذا حدثت كارثة ما. وكبرت قليلا لأدرك أن :هذا الأمر مستحيل فأردت أن أكون مثل

“bugs bunny

وكان هذا الأمر مستحيل أيضا. أريد أن أكون شيئا لا أدري ماهو بالضبط ولكن هذا الشيء يجب أن يخلق حدثا أو أمرا ويجعل الناس تتابعه، ويخلق تأثيرا وتغييرا في المحيط.

تجربة ديمنسيا وأنسومنيا

حلم منذ صغري، كنت أريد أن أكتب بشدة ومنذ وصولي إلى سن العشرين وأنا أريد أن أكتب وأؤجل ذلك للسنة القادمة. إلى حين سنة بلوغي للثلاثين، قررت حينها أن أبدأ ولا أتأخر عن الكتابة. منذ سنة 2013 وأنا أكتب نصوصا متفرقة على الفايسبوك وأجمعها وأخفيها إلى أن تكونت لدي مجموعة قصصية متناسقة. وقد كانت تجربة فريدة من نوعها في حياتها، أن أكتب وأن أنشر ما أكتبه هو أمر استثنائي ورائع

أرى ديمنسيا ككتابي الأول ولكنه لا يجب أن يكون كتابي الأخير. لذلك نشرت بعده كتابا آخر. هي تجربة لا أريد نزعها من حياتي، بما تحمله من صواب وخطأ. هي التجربة التي دفعتني لاقتحام هذا المجال ومازالت تدفعني للنشر والإنتاج.

أما أنسومنيا فهي مجموعة قصصية من 12 اقصوصة تتراوح بين الرعب والخيال العلمي والفانتازيا، حاولت أن أخرجه بطريقة متنوعة أكثر من ديمنسيا، وأن يكون فيه تركيز على الخيال العلمي والجانب الماوارائي (بارا-نورمال) أكثر من مؤلفي الاول. هو كما يدل عليه اسمه بالضبط، إما أن يغرقك في حالة الأرق وإما أن يجعلك تتجاوز تلك الحالة وتسقط في نوم عميق.

من أكثر المقولات التي تلهمك

مقولات كثيرة كانت تلهمني، ولكن أحدها مازال مطبوعا في ذهني، وأظن أني سمعتها في إشهار ولم أقرأها في كتاب وهي:

“you think you know but you have no idea

أنت تتصور أنك تعرف ولكنك لا تدري شيئا وهو ما جعلني أفكر هل ما نعرفه كله صحيح؟ ألا توجد أشياء لا نعرفها

طبعا يوجد، وهو ما يجعلني أفكر أننا يجب أن نكون متواضعين، لأننا لا نعرف كل شيء. يجب أن نكون منفتحين دائما للمعرفة، لأننا إذا لم نتعلم لن نستطيع التقدم أبدا.

الكتاب المفضلين

أحب لوف كرافت وايزاك كازيموف وآلان دامانسيو وستيفين كينغ.

يبدو لي أن من يكتبون في مجال الرعب قادرون على فتح العقل البشري على آفاق أكبر بقليل ممن يكتبون في الواقعية. أحب أيضا أحمد خالد توفيق بالتأكيد وتوفيق الحكيم أحب كثيرا سخريته وتهكمه وأطمح أن أستطيع الكتابة مثله في يوم من الأيام

كيف ترى الكتابة في تونس؟

ما ينقص الكتابة هو القراء. التونسي لا يقرأ كثيرا في المطلق وإن قرأ فهو سيقرأ كتبا وكتابا تعود على طريقتهم ومواضيعهم ولا يغامر بالخروج من مساحة الأمان الخاصة به. أظن أن التوزيع يمثل مشكلة أيضا سواء في تونس وخارج تونس. للأسف، هذا البلد ليس منفتحا كما يبدو على إصدارات الخارج ولا يفتح الأبواب ليجعل كتابه يخرجون إلى الريح. الجمهور التونسي قد تربى على أدب الشرق ولم يتعود على قراءة الكتاب التونسيين. في هذا الإطار، على الكتاب التونسيين أساسا أن يبتعدوا عن الكليشيات والقصص التي تعود الناس على قراءتها وهو ما بدأ يحدث تدريجيا.

كيف ترى عالم الأدب؟

الأدب يتطور كثيرا ولا يمكنك أن تتخدث عن شيء دون أن تتحدث عن أشياء أخرى. السينما والموسيقى وكتب الرسوم المصورة والرياضة وغيرها. لا يمكن لكاتب الآن أن يكون منعزلا عن الإنتاج الفني عامة، والفنون يجب أن تتلاقح وتنصهر مع بعضها لتصبح أكثر ثراءا. أتمنى في يوم ما أن تتحول إحدى أقصوصاتي إلى كتب رسوم مصورة لأنها تحتوي من العناصر ما يكفي لكي تكون قصة مصورة.

مصادر الإلهام

كثيرا من الاشياء، أنا أقرأ كثيرا لذلك تأتيني أفكار كثيرة. أحيانا مجرد التحدث مع شخص آخر وتُقال جملة تجعلني أخلق قصة كاملة. أمتلك دقة الملاحظة كذلك و أفكر أحيانا في أشياء واقعية وأظل أحولها في ذهني إلى قصص خيالية وأضيف إليها عوامل كثيرة. مشكلتي أحيانا أنني لا أستطيع تنظيم أفكاري، ولكني بدأت أتعلم ذلك تدريجيا. أنا من نوع الكتاب الذين كلما قرؤوا شيئا جميلا يُقبلون على الكتابة بشراهة أكثر.

السينما والموسيقى

interstellar / inception / Mr nobody / Fight club / Matrix

هي أفلام تجعلك تفكر وتتعامل مع قضياا بشرية من وجهة نظر جديدة ونهاياتها تكون غير متوقعة. حتى لو كان أغلب الناس يفكرون أن هذه الأفلام ليست من ضمن أحسن الأفلام إلا أنني أتذكر أنني حينما شاهدت هذه الأفلام جعلني أحس بصدمة وجودية، صدمة جعلتني أفكر في قوة هذه القصص والإبداع الذي فيها، والذي يدفع من يشاهدها إلى التفكير وإعادة التفكير في كل شيء.

أما فيما يتعلق بالموسيقى فلا أستطيع أن أحدد نوعا مفضلا لأن استماعي للموسيقى مرتبط بنوع النشاط الذي أقوم به. أستمع كثيرا لموسيقى التسعينات، والموسيقى الكلاسيكية. حينما أكتب أستمع إلى نوع معين وحينما أمارس الرياضة أستمع إلى نوع آخر. أنا منفتح لالتهام أي نوع من الموسيقى لأن كل مقطوعة تحمل روحا وفكرة جديدة وهو ما يعتبر أيضا من مصادر إلهامي.

الكتب والأدب

من الصعب أن أحدد أي الكتب التي أثرت في فعلا، لأن كل كتاب ترك في جزءا صغيرا لا ينمحي. ولكن من أكثر الكتب التي أثرت به هو كتاب

la horde du contrevent

هذا الكتاب يحمل تساؤلات فلسفية عميقة والعالم الذي صنعه الكاتب وجعلني أنبهر به.

هناك أيضا رواية قواعد العشق الأربعون، كثيرون يقولون أنه كتاب سطحي ولكني أخالفهم لأنه كتاب أعجبني إلى درجة أنه دفعني إلى الإهتمام بالصوفية والغوص فيها أكثر وإلى حد الآن مازلت رغم كل بحوثي في القشرة الخارجية.

أنا أؤمن بتعدد الشخصيات لكل إنسان. المشكلة هي كيف نقبل كل تلك الشخصيات ونتعامل معها. لأن كل الناس تقريبا تفضل التعامل مع شخصية واحدة انطلاقا من أنفسهم وصولا نحو الآخرين في حين أن استخدام الجوانب الإجابية من كل شخصية يمكنك من أن تطلق الخيال لنفسك أكثر وتطور من نفسك أكثر. أغلب الناس يخشون ذلك التعدد ويختارون أن يظلوا في صندوق واحد طوال حياتهم. ربما يكون هذا هو الفرق بين المبدع وغير المبدع، أحدهما يفضل البقاء جامدا في نفس الركن، والآخر يغوص في نفسه ليكتشف عوالم جديدة وينتج عن طريق تلك العوالم أشياء مختلفة ومتفردة.

المشاريع المستقبلية

حاليا لدي 3 أفكار لروايات مازلت أفكر أيها التي سأنطلق فيها أولا لذلك أكتب في كل واحدة قليلا في كل مرة. أحد هذه الأفكار في الفانتازيا، والأخرى في الرعب والثالثة ستكون اجتماعية ومختلفة عن النمط الذي أكتب به. أفكر أنني يجب أن أخرج من قشرة المجموعات القصصية لأنطلق في كتابة الرواية. وهو أمر يبدو لي أصعب بكثير من كتابة القصة لأن الرواية هي مغامرة تحتاج صبرا طويلا وقوة احتمال من الكاتب حتى تنتهي.

ماهي أكثر فقرة كتبتها وأثرت بك؟

أقصوصة كل الطرق تؤدي إلى هناك. من أكثر الأشياء التي تركت بصمتها داخلي. لأن القصة هي حوار بين شخص وكينونة أخرى. نقاش داخلي حاولت أن أكتبه على الورق وهو نقاش يظطرم في داخلي ويشعل أسئلة لا أدري كيف أجيب عنها وربما تكون تلك القصة غير منتهية ومازال هناك ما يمكن أن يُكتب فيها.

أذكر أيضا أن الجزء الأخير من قصة ايماجيثوس هو من أكثر الصفحات التي أثرت فيّ ومازلت أتذكرها حتى بعد أن كتبتها.

رسالتك إلى القرّاء

أنصح كل من يقرأ أن يحاول الخروج من تلك اأطلال المهملة والمهجورة التي تعودوا البقاء فيها عليهم أن يقرؤوا أشياء جديدة ويجربوا حتى لو أزعجهم ذلك ويفتحوا آفاقهم على كتب جديدة لأنهم فعلا يجهلون الكنوز المختفية وسط تلك الكتب. وأنصحهم أيضا أن يخرجوا من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج. أعرف أن هذا الأمر ليس سهلا وليس بديهيا ولكنه ليس مستحيلا. أدرك أيضا أن كثيرا من الناس يمتلكون هذه الرغبة الدفينة في أعماقهم ولكنهم يخنقونها خوفا ألا يعجب بهم القراء. إن لم تجرب فلن تستطيع فعل أي شيء ولن تستطيع التقدم. “إن لم تخاطر فلن تصنع مستقبلا” كما يقول الشخصية الكرتونية لايشريو أودا، مونكي دي لوفي.

فريق راديوشن – غادة بن صالح