العنصرية ضد السود.. رواسب بدائية تسكن عصرنا الحديث

في واحد من أهم كتبه، والذي يحمل عنوان “الغرب والعالم: تاريخ الحضارة من خلال موضوعات”، يخصص المفكر والمؤرخ الأمريكي كافين رايلي فصلا خاصا لدراسة تاريخ “الرق”، حيث بسط الكثير من الوقائع التاريخية، وجال في ثقافات الشعوب القديمة، مسجلا أغرب الأفكار والمعتقدات التي قبعت خلف تصيير الرق نظاما اجتماعيا مدعوما من رجالات السياسة والدين والاقتصاد، لا سيما في العصرين العبودي والفيودالي وبقاياهما في عصورنا الحديثة.

لا غرابة إذن أن الإنسان الأسود، والذي مايزال -للأسف- يقضي نحبه مختنقا تحت الرُّكب، في بلاد تكرست فيها قيم الحرية أكثر من غيرها، كان ذلك الإنسان يوما ما في أوروبا يعامل على أنه “ليس إنسانا” كما يقول كافين رايلي، بل الأنكى أنه كان يُنظر إليه على أساس أنه كائن يشبه الإنسان فقط، مثله مثل باقي الكائنات الأخرى التي تشبه الإنسان. معتقدٌ هو تسبب في تكريس واقع الرق إلى الحد الذي واجهت معه دعوات المساواة بين البشر عقبات كأداء، وبقيت تواجهها حتى في عصر نمو حركات ثقافية مضادة للعنصرية ضد السود، كتلك -ذات الأثر البالغ- التي أنشأها الأنثروبولوجي ذو الأصل الإفريقي “فرانس فانون” خلال القرن الماضي بفرنسا.

في الحقيقة، فإن جذور جينات العنصرية ضد الأسود وكراهيته تجد أصولها البعيدة في أعرق الميثيولوجيات البدائية/البائدة، ذلك أن معظم الدراسات الأنثروبولوجية التي تناولت مفهومي الخير والشر في ثقافات القديمة، تكاد تتفق على أن السائد كان ماثلا في إلصاق أوصاف الشؤم والقبح والشر بالظلام، وكل نعوت الخير والجمال والتفاؤل بالضوء، وذلك قياسا إلى الأهمية التي اضطلعت بها الشمس في تلك الميثيولوجيات، باعتبارها هي الفيصل بين الظلام/ الأسود الذي ما إن يحل حتى تحل كل المخاطر في زمن كان الإنسان أضعف ما يكون أمام الطبيعة بسبب جهله بقوانينها، وطقسها ووحوشها.

وهكذا استقر الاعتبار بكون الأسود هو الشؤم سواء أكان ليلا كالحا، أم بشرا بشرته سوداء، أم كائنا ما كان. غير أن الجزء الأكبر من المشكلة لا ينتهي عند هذا البعد الثقافي التاريخي للاجتماع البشري، بقدر ما يصل حد الاستغراب من مكوث نواتج فكرة بدائية كهذه في أفكار وسلوكيات أقسام من الناس في عصر الحداثة وحقوق الإنسان والحرية والمساواة، بل وفي أكثر المجتمعات التي تجذرت فيها هذه القيم أكثر من غيرها!.

إن العنصرية ضد السود ورفض إلغاء الرق كاد يشطر الولايات المتحدة إلى شطرين خلال ستينيات القرن التاسع عشر، ولم تهدأ معارك العنصرية طوال عقود بعد ذلك في بلاد العم سام. ما يشي بأن كل البنيات الثقافية الحديثة لم تتمكن من طرح الكثير من معتقدات ما قبل الحداثة، وضمنها الرؤى العنصرية ليس اتجاه العرق الأسود فقط، بل وضد أعراق بأكملها، تارة بالترويج لـ”مركزية أوروبية” مزعومة، وأخرى بالحديث عن “نهاية للتاريخ” تغلق دفتيها “الديمقراطيةُ الغربيةُ”، هواجس هي ربما شبيهة بتلك التي لم تتخلص منها العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، والتي أفرد لها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس كتابا مهما عنونه بـ”الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي”.

إن الشيء الذي يبعث فعلا على الغثيان هو أن تصبح مقولات ساقطة أخلاقيا وإنسانيا، من قبيل معاداة المهاجرين والسود والعرب والآسيويين، تجد التغذية تارة من مشاريع دينية، كما يحدث في أوساط الأمريكيين البيض الإنجليين، وتارة من خلفيات فكرية عنصرية آتية من تأويلات مخزية لفكرة “الأمن الوطني” أو “الحق التاريخي”، أو ما شابه. منطق زئبقي ساقط يبرر الشيء وعكسه، يطبل له ذوو الياقات النظيفة، وينفذه الجهلة على الأرصفة، ويدفع ثمنه المستضعفون الذين ما مرَّ التاريخ ونما إلا على أجسادهم.