رواندا : قصة نجاة بحبر وثائقي:


يلعب الإعلام دورا رئيسيا في توجيه الرأي و خلق توجهات و حركات جديدة بالمجتمع فهو ليس في الحقيقة  مجرد  موزع فقط للمعلومة  بل هو محرك الشعوب و وسيلة ضغط على السلط و من هنا جاءت الفكرة الخبيثة للمستعمر خلق ألغام إعلامية و إفلات اللجام عن  وحش يسمى  “إعلام الكراهية” و لعل القصة الأشهر هي قصة روندا التي أصبحت حكاية على كل لسان قلم و موضوع أحد أهم شريط وثائقي من إنتاج الجزيرة يوثق أكبر جريمة إعلامية و كيف نفخت وسائل الإعلام بسبق العمد و الإصرار في رماد العرقية فاشتعلت روندا بأيدي أبنائها…


يتلاشى العنوان الأبيض للفيلم ليكشف عن أيادي سمراء تداعب الجيتارة و تدندن ” سنتذكر الإبادة الجماعية التي أرتكبت بحق التوتسي سنتدكرها لنصارح أنفسنا ”  لتبدأ الحكاية سكان روندا قبل الإستعمار كانوا مقسمين الى توتسي و هوتو و توا  لم يكن هذا التقسيم على اساس عرقي بل كان حينها حسب النشاط الزراعي الدي عرفت به كل مجموعة
بدأت سياسة الميز بعد إزاحة الملك و دخول الإستعمار البلجيكي الذي أعطى الإمتياز لتوتسي و مارس سياسة الوصم العنصري عن طريق إحداث بطاقات هوية تشير داخلها الى كل فئة حتى ظهرت أول صحيفة تصدرها الكنيسة الكثلوكية باءسمها “كنياماتيكا ” و كانت اول صحيفة عامة و رائجة و مقروئة بين الناس و التي شرعت في استخدام عبارات عنصرية مثل الشعب الوضيع في إشارة الى الهوتو و كانوا يكتبون أن التوتسي ليسوا رواندين أصلين ليرسخوا في عقول الناس فكرة ان التوتسي أجانب و يجب طردهم

في عام 1959 و مع بداية ثورة الهوتو إنحزت الصحيفة لتغير الإجتماعي الدي ينبني على فكرة الإطاحة بالتوتسي كطبقة حاكمة
أستخدمت الصحيفة في تلك الفترة لتغير الاراء و التوجهات و التحريض على هاته الفئة و بالفعل في تلك الفترة أحرقت بيوت التوتسي و قتلت ماشيتهم مما استدعى الكثير منهم الى الفرار الى مناطق مجاورة مثل أوغندا و تانزانيا و الكونغو
كان معظم الروندين أميين لا يستطيعوا أغلبهم قرائة الصحف و هنا وجد الراديو ثغرته في الإسيلاء على عقولهم نظرا لكونه متاحا في تلك الفترة و منتشر فمن لا يملك راديو جاره يملك واحدا و كان الإستماع أسهل بكثير من القرائة .
في عام 1964 أنشئت إذاعة روندا التي  إستقطبت في البداية المستمعين في البداية بالبرامج الترفيهية و الممتعة و الأغاني ليبدأ فيما بعد بحملة تحريضية ممنهجة يقول مدير هيئة الإذاعة و التلفزيون الرواندية أسيمواه ارثر في منتصف الشريط أن” سكان القرية البسطاء يعتقدون أن كل ما يذاع في الراديو مصدق خاصة إذا خرج موظف حكومي و قال سنفعل كذا و كذا يعتبرون ذلك اوامر يجب تنفيذها” و هذه النقطة التي سهلت على الإستعمار  إشعال فتيل الحرب الأهلية

كان هناك إعتماد كبير على الصحيفة و راديو روندا خاصة في نجاح عملية تغلغل ايديولوجيا التميز عن طريق بث أغاني تحريضية و إستعمال عبارات صريحة تدعو للقتل مثل أن التوتسي أعداء للهوتو و لا يجب الوثوق بهم وهده نفس الوصايا التي نشرتها الكنيسة تنشرها الصحافة و عمد أحد أشهر المحررين  حسن إنجيزي الى التحريض باءستخدام الرسوم الكريكاتورية تصور هده الفئة على أنها ثعابين و يجب قتلها و أنها تستولي على معظم الموارد الفلاحية و كانت هده إحدى العبارات الخطيرة التي كتبت في  الصحيفة الرواندية المتطرفة انذاك (كانغوارا)   “إن أفضل طريقة نتعامل بها مع قبيلة التوتسي هي أن نقتلهم و نلقي بهم خارج الدولة”

 و دعت إذاعة الألف تلة المواطنين بتسلح بالسكاكين و أدوات الفلاحة للقتل و التصفية العرقية بعد سقوط طائرة الرئيس الروندي هبياريمانا بعد أن اتهمت التوتسي بهده الفعلة  بالإضافة الى تزويد المواطنين بقائمة و عناوين المشهورين من التوتسي المستهدفين  المستمدة من مصادر حكومية و كانت النتيجة بداية  الإبادة الجماعية  في السابع من أبريل 1994 و برغم من شدة الأمطار و قسوتها كان الناس أطفالا رجالا و نساء يهربون الى الغابات للإختباء وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، قُتل ما يقارب على 800.000 شخص وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب
بسبب التعبئة و خطاب الكراهية الدي بثته وسائل الإعلام الروندية و إنخراطها في مشروع الإبادة عاشت روندا أعنف قصص الحروب الأهلية نجت منها بعد هلاك طويل لتدخل فيما بعد فترة المحاسبة و وقف بث هذه المؤسسات الإعلامية عن طريق أشهر محاكمة أطلق عليها محاكمة وسائل الإعلام حيث إعترف المتهمين بقبولهم مكافئات مالية لترويج هذه الفتنة
  بناء مرحلة السلم و التصالح بين الأفراد والتحصن بقانون و مبادئ تنظم الصحافة في روندا  ساهم في إحداث صحوة إعلامية و الإتجاه نحو سياسة التركيز على توحيد الشعب الروندي بكامل المهنية و الحياد 

 فريق تحرير راديوشن – أميمة الوسلاتي