قصص عنف ومآسي ووجع: إلى متى سيستمر اضطهاد النساء؟

يقال أنّ الصمت يحفّز الجلاد. ولنا أن نتساءل: إن حقّ لنا اعتبار الحياة مسرحية فأي الأشخاص يمثلون دور الضحية؟ وأيهم يمثلون دور الجلاد؟

حينما بدأ الحجر الصحي، كان العالم واقعا تحت الصدمة: وباء يجتاح الإنسانية ويهدد بفنائها بعد أن ظنت هذه الأخيرة أنها محمية وأنها آمنة بسبب التطور والقوة التي وصلت إليها. ولكن جلادا مختفيا برز للعلن واحتل موقعا هاما في حياة العديد من الضحايا: جلاد العنف المسلّط ضد النساء.

في تصريحات عديدة من عدة مسؤولين في تونس على سبيل المثال، استمرّ التعبير عن القلق بسبب تضاعف معدلات العنف ضد المرأة خاصة وأن النسبة قد وصلت إلى خمس مرات أو ربما أكثر مقارنة بنفس الفترة من سنة 2019. كما أن الشكاوى من النساء المعنفات وأطفالهن الذين يطالهم العنف أيضا قد تزايدت بصفة مهولة في ظل الحجر الصحي.

يجدر بالذكر أن قانون 58 لسنة 2017 في الفصل 26 منه يمكّن النيابة العمومية من إجبار المعتدي على إخلاء المنزل لفائدة المرأة ضحية العنف وأبنائها. وهو فصل وإن كان موجودا في ظل قانون ساري المفعول إلا أن تطبيقه لم يبدأ إلى حد الآن. إذ نجد أغلبية حالات النساء اللواتي تتعرضن إلى العنف يهربن من بيوتهن صحبة أطفالهن إلى بيوت أسرهن أو إلى بيوت الصديقات في حين يظل المعتدي في البيت محصّنا من العقاب والمتابعة.

!أرجع لدارك، يزي بلا ريق

“عودي إلى بيتك وكفّي عن الدلال” هي عبارات تسمعها بعض النساء المعنّفات أحيانا حينما تذهبن للشكوى في مراكز الشرطة. دعوة إلى التخلي عن الشكوى والعودة إلى البيت للتصالح مع الزوج الغاضب الذي عادة ما ينتظر فرصة أخرى لإعادة التعنيف مرة أخرى.

إن العنف المسلط في هذه الحالة ليس عنفا من الزوج فقط، بل هي منظومة كاملة تسلط العنف ضد المرأة: تبدأ من التربية الأولى للأنثى على الطاعة والخضوع إلى منظومة الأب والأخ الأكبر وابن العم ثم الزوج ووالد الزوج. لنجد هرم السلطة قائما بأكمله على أكتاف المرأة والتي تجد نفسها محاصرة من جميع النواحي وتحت ضغط نفسي وعصبي وكبير.

“عليك أن تفهميه، وأن تسامحيه: الرجال ليسوا كالنساء”. هي تلك العبارة التي تسمعها العديد من النساء المعنفات والتي تحرّك فيهن تأنيب الضمير إلى درجة أنهن يعتبرن أنفسهن أحيانا السبب المباشر في غضب الرجل ويلمن أنفسهن حول الضرب والتعنيف الذين تعرضن له. سلوك ممنهج يجعل الضحية تخضع للجلاد ويجعل الجلاد يستمر في تعذيب الضحية.

تأتينا شهادة من إحدى المعنفات التي تجد نفسها تبرّر لزوجها ما يفعله: “الرجال برمون ويبحثون عن أي شيء ليفرغوا فيه طاقتهم وغضبهم ومللهم. والنساء عليها أن تتحمل”

شهادات كثيرة في نفس السياق من عدة مراكز شرطة منتشرة في العاصمة، تفيد أن العديد من الشكاوى للتعنيف الزوجي قد اطّردت في فترة الحجر الصحي. وأنّ أغلب الرجال يفرغون مللهم من الجلوس في المنزل في تعنيف زوجاتهم وأبنائهم. وأن أغلب هذه الحالات قد بدأت مع الأيام الأولى من الحجر. وهنا نعود بالذكرى إلى أيام الثورة التي ازداد عدد النساء الحوامل فيها، وهو ما يحيلنا إلى تحليل مجتمعي غريب نوعا ما: الثورة تأتي بالأطفال والوباء يأتي بالقطيعة.

نساء تحت نير الاضطهاد وحتى الاغتصاب في المناطق الريفية

النساء اللواتي كن يشتغلن عاملات ريفيات أو معينات منزليات وجدن أنفسهن بلا مورد رزق قار أمام أزواج اعتادوا أخذ أجرتهن واللعب بها في مباريات الورق في المقاهي البسيطة المنتشرة على جانب الطريق. وضعية لم يكنّ محضرات لها لا نفسيا ولا جسديا. لنجد العديد منهن تتعرضن للضرب المبرح يوميا إلى أن أصبح عادة في حين أنّ أخريات تتعرضن للاغتصاب الزوجي “الجماع دون قبول الطرفين”. وهنا نتعرض إلى إشكال آخر: إذ أنّ مفهوم الاغتصاب الزوجي مفهوم غير مألوف في المجتمع وغير معرّف بطريقة واضحة في مجلة الأحوال الشخصية، وبالتالي فإن المرأة لا تستطيع أن تقوم بحقها أمام المحاكم في رفض مجامعة زوجها والشكوى في حال حدث الجماع رغما عنها.

يجب التأكيد أننا نتحدث عن فئة كبيرة من نساء تونس اللواتي حرمن من حقهن في التعليم وبالتالي فهنّ يرزحن تحت نير الجهل والمجتمع والعادات والأعراف التي تجعل المرأة الحلقة الأضعف في نواة المجتمع وتجعلها الطرف الأكثر تعرضا للإجهاد النفسي والعصبي والتنكيل الجسدي.

يجب الاعتراف أن تونس لم تبق صامتة تجاه هذا الوضع إذ أنه من ضمن الإجراءات التي قامت بها تونس مثلا لمقاومة ظاهرة العنف المنزلي أيام الحجر هو تخصيص ثمانية مراكز إيواء للنساء ضحايا العنف الزوجي رفقة أطفالهن، فضلا عن توجهها لفتح مراكز إضافية، بهدف استيعاب أكبر عدد من النساء ذوات الوضعيات الاجتماعية الهشة.

بالإضافة إلى تخصيص خط مجاني للتبليغ عن العنف كما اشتغل المجتمع المدني بالتوازي مع مجهودات وزارة المرأة في الإحاطة الجسدية والنفسية لضحايا العنف الزوجي خلال فترة الحجر الصحي بالإضافة إلى جهود وزارة الداخلية وركز على هذا الموضوع خاصة من خلال الحملة التضامنية التوعوية التي أطلقتها جمعية “النساء التونسيات للبحث حول التنمية” تحت شعار: “ماكش وحدك / لست وحيدة” والتي تدعم النساء المعنفات وتجعلهن يشعرن أن هناك نصراء لهن في ظل الوضعية الحرجة التي يعشنها. ولكن تبقى كل هذه المحاولات غير كافية تجاه انتشار هذه الظاهرة المفجعة.


إنّ تلك الحملة الساخرة التي أطلقها بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “اضرب زوجتك فالمحكمة مغلقة”، وإن لاقت استهجانا واسعا من ناشطات نسويات، اللواتي أطلقن بدورهن حملة تضامن واسعة مع النساء ضحايا العنف الزوجي خلال فترة الحجر المنزلي. إلاّ أنّ هذه الحملة في حد ذاتها تدفع للتساؤل: إلى أي درجة يكمن العنف ضد المرأة في نفس المجتمع؟ وهل أن ما تشهده المرأة في تونس من تحرر ومنظومة للحماية تجعلها مثالا يحتذى به في البلدان العربية هو مجرد أسطورة لا أكثر؟

إن التعامل مع العنف على أساس مزحة لا أكثر هو أمر أخطر من العنف في حد ذاته لأنه يبيح ما لا يجوز ويصيّر كل شيء عاديا. وإن صار كل شيء عاديا يمكن حينها أن نعلن انطلاق بدء السقوط في الهاوية لأن المجتمعات لا تنهار إلا إن انهارت قيمها، والقيم أساسا هي مجموعة من المبادئ والأخلاق والنظم التي يتبعها الفرد في إطار نواة مجتمعية عامة تحترم الآخر وتقبل الاختلاف وتعاقب المُخالف مهما كانت صفته أو وضعيته. هل يمكننا القول أنّ هذا هو ما نراه الآن في مجتمعنا؟

:العنف ضد المرأة في الدول الأوروبية

إن العنف المسلّط ضد المرأة ليس ظاهرة عربية فقط، بل هو ظاهرة عامة إذ بالعودة إلى الإحصائيات الناتجة عن مراكز البحوث والدراسات في عدة بلدان أوروبية يتبين لنا أن النساء تشكلن الغالبية العظمى من ضحايا الاغتصاب والعنف في الاتحاد الأوروبي، وتتصدر فرنسا وإنجلترا لائحة دول الاتحاد الأوروبي في الحوادث عل هذه الشاكلة.

صحيح أن القارة العجوز “مهد الحضارة، وعنوان التطور” تسعى إلى إحداث مساواة تامة بين الجنسين ولكن ذلك لا ينفي أن حوادث التعنيف ضد المرأة مازالت ترتفع وخاصة نسب العنف الجسدي والجنسي. ويجدر بالذكر أن اتفاقية منع ومحاربة العنف ضد المرأة والعنف الأسري لم تحظ بموافقة وتوقيع كل البلدان الأوروبية، إذ أن المجر وبلغاريا وانجلترا وغيرها كثير لم توقع على هذه الاتفاقية مما يجعلنا نتساءل عن موقف هذه الدول من قضية المرأة والعنف المسلط عليها.

فرنسا تأتي في المرتبة الأولى من أولمبياد العنف تليها إنجلترا في التحرش والاغتصاب

بلد النور والفن والجمال الشهير بأناقة نسائه والرومنسية والثقافة المنتشرتان في جميع أنحائه لم يكن معصوما من انتشار ظاهرة العنف إذ أن فرنسا تأتي في مقدمة الدول التي شهدت جرائم عنف ضد المرأة عام 2017. وفي العام المذكور، بلغ عدد ضحايا جرائم العنف ضد المرأة في فرنسا 601 امرأة، و380 في ألمانيا، و227 في إنجلترا، فيما بلغ العدد في إيطاليا 130، وفي إسبانيا 113 امرأة خلال الفترة نفسها وكل هذا وفق مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات)

أما إنجلترا فهي تتصدر مقدمة الدول التي تشهد حالات تحرش واغتصاب. ففي 2017، تعرضت 48 ألفا و122 امرأة للاغتصاب، فيما تأتي فرنسا في المرتبة الثانية بـ14 ألفا و899 حالة اغتصاب، ثم ألمانيا بـ 7 آلاف و831 حالة اغتصاب، فالسويد بـ6 آلاف و810 حالة. ووصل عدد النساء اللواتي تعرضن للتحرش في إنجلترا العام 2017 إلى 46 ألفا و465 سيدة، وفي ألمانيا 24 ألفا و702، وفي فرنسا 21 ألفا و177، وفي السويد 10آلاف و162.

وإضافة إلى ذلك، أظهرت معطيات إنجليزية رسمية أنه تم التبليغ عن مليون و198 ألفا و94 حالة عنف أسري في إنجلترا وويلز خلال الفترة من مارس/ آذار 2017 إلى مارس 2018. ومن الملفت للنظر قيام السلطات بإصدار قرارات بعدم متابعة القضية في 598 ألفا و545 حالة منها أي فيما يقارب النصف من تلك  الحالات.

!أرقام مفزعة

:لنتأمل قليلا في هذه الأرقام

مليون و600 ألف بلاغ هو عدد حالات التبليغ عن وقائع العنف الأسري

شخص واحد يتم توقيفه من بين 32 حالة ومن بين كل 100 حالة للتعنيف الأسري.

تتعرض سيدة واحدة من بين كل 3 سيدات تتراوح أعمارهن من 16 سنة إلى 59 سنة إلى التعنيف مرة واحدة على الأقل في حياتهن

وتستمر الأرقام لتصبح أكثر هولا. إذ ارتفعت نسبة جرائم الأزواج لتحتل ألمانيا المرتبة الأولى بين دول الاتحاد الأوروبي في عدد جرائم قتل الأزواج لزوجاتهم بـ189 جريمة، تلتها فرنسا بـ123 جريمة، ثم رومانيا بـ 84 جريمة فإنجلترا بـ70 جريمة وإيطاليا بـ 65 جريمة طبقا لمعلومات من مكتب الإحصاءات الأوروبي.

هذه الأرقام التي نشرتها مئات الصحف والمجلات الالكترونية والرسمية وتم تداولها في مئات البرامج التلفزية والإذاعية هذا إن لم نقل الآلاف، وغيرها كثير من الأرقام التي تتراكم وتتراكم وجميعها تصب في هوّة واحدة: وضعية المرأة في العالم. إلى متى ستظل المرأة تعاني من هذا الاضطهاد النفسي والجسدي؟ إلى متى سنظل نتحدث عن العنف ضدها على أساس أزمة حاضرة وليس تاريخا غائبا؟ متى يحين الوقت للجميع كي يفهموا أن المرأة هي جزء من المجتمع الإيجابي الحقيقي وأنه إن لم تضمن حقوقها فلن يكون استقرار المجتمع وتطوره سوى وهم وأسطورة مغبرّة؟

فريق تحرير راديوشن – غادة بن صالح