لماذا يسخر البعض من الذين يرتكبون أخطاء في اللغات الأجنبية؟

للإجابة عن هذا السؤال، يجب أولا التساؤل دور اللغة في بنية المجتمع عموما و عن دلالات اللغة الفرنسية في المخيال الجماعي التونسي خصوصا. ويمكن فهم السخرية والتي تبدو من الوهلة الاولى عادية و طبيعية إلا أنها تخفي ورائها جملة من الظواهر الاجتماعية

لطالما كانت اللغة عاملا محددا و مهما في التقسيم الطبقي داخل بنية المجتمع. فالطبقة العليا تسعى دائما التمايز من خلال جملة من العادات. ربما أكثرها ظهور هو مظهرها وملبسها.  ولكن لكلامها و لغتها أيضا دور مهم قد يغفل الناس عن أهميته في خلق الفرق بين الطبقات و تعميقه

على مر التاريخ، ترتبط الطبقة الغنية داخل كل مجتمع بالسلطة و القوة و النفوذ. لذلك فهي ترتدي ما يلبس الاقوى، و تقول ما يقوله الأغنى و تعبد ما يعبد الأفضل. و بذلك تكون السلطة بزواجها من الطبقة العليا هي من تحدد النمط الأنسب للعيش و اللغة الاحسن للكلام. و لهذا تداعيات عديدة أهمها : سعي الجميع الى هذا النمط و الى تلك اللغة.  و تعود هذه التداعيات لسببين أساسيين. أولهما ،  إرتباط تلك اللغة بالرفاه و الثراء و الثقافة مما يجعلها تجلب الاعجاب. و عادة ما تقوم السلطة بالترويج لهذا الارتباط من خلال تعاملها المميز مع كل من يتقن هذا النمط و تلك اللغة . وبهذا فمن الطبيعي أن يسعى كل فرد أن يحقق هذه الصورة ليتمتع بما فيها من إيجابيات

أما ثانيهما، فهي طبيعة المجتمع التي تعتمد التقليد أساس لحركتها و تنظمها (فكرة قابريال تارد) . و بما أن هذه الطبيعة لطالما كانت خاضعة للعقل، فإن التقليد سيكون في جزء كبير منه محكوما بالمصلحة. وهذا ما سيخلق اتجاه عاما نحو تقليد الطبقة العليا

و لكن هذه الظاهرة الإجتماعية  عادة ما ترتطم بالطبيعة البيولوجية للإنسان فتعطي نتائج مغايرة لما هو متوقع ومن هنا تنطلق التفاعلات الاجتماعية في إنتاج  ظواهر لغوية جديدة و تصدمات مجتمعية عميق

و من بين هذه النتائج هو العجز عن اتقان اللغة و نطقها بشكل سليم. وذلك بفعل عدم انتماء الفرد إلى الطبقة العليا منذ صغره. فالطبيعة البشرية تقتضي أن يحافظ الانسان على ما تعلمه في سنينه الاولى بطريقة شبه بيولوجية. فأذا كان مايتعلمه الطفل في صغره نظريا مجرد عادات و طرق  اجتماعية إلا أنها بفعل تكرارها و تواصلها تصير ردود فعل طبيعية كالجوع و العطش. إن النطق يندرج ضمن خانة هذه الطرق. فطريقة النطق وسيلة تميز الفرد فتحدد جهته و أصله و طبقته

و بما أن اللغة تخضع للنطق. فإنها تتغير حسب الفرد وجهته و طبقته . كلما تقارب منشئ اللغة مع منشئ الفرد كلما زاد إتقانه لها. و كلما تباعد المنشائان كلما كثرت الاخطاء.  و في إطار هذا التباعد، تصير السخرية. و بذلك يحاول كل فرد تقليص الاخطاء كيقترب من إلى الطبقة العليا التي تتقن اللغة المرجع

تونس ليست خارج هذه الدائرة، فهي أيضا تستجيب إلى هذه البنية وفق خصائصها و مميزاتها. و من مميزات المجتمع التونسي هي علاقته باللغة الفرنسية كمثال. إذ يصعب الالتزام بالحياد إزاء هذه اللغة لما تحمله من دلالات . بعضها يرتبط بالسياق التاريخي، فاللغة الفرنسية دخلت الى تونس بفعل الحركة الاستعمارية. وبذلك فإن السلطة الفرنسية هي من أعلت من  شأن الناطقين بلغتها. و بذلك جعلت منطوقهم مميزا و مرجعا.  و حتى بعد نهاية الحقبة الاستعمارية العسكرية، حافظت الفرنسية على مكانها و إنعكست المنطوق التونسي.  فكلما زادا حديثنا قربا للغة الفرنسية كلما ازداد إثارة و كلما ما إبتعد عنها فقد بريقه

إن اللغة الفرنسية  هي اللغة المرجع في تونس فهي لغة الطبقة العليا ، تنطق بها السلطة في أوراقها الرسمية و في مواقعها الإلكترونية و في برامجها التعليمية .  إن كان العامل الهوياتي في تونس قد وضع العربية لغة رسمية. فإن العامل الاجتماعي والتاريخي قد وضعوا الفرنسية اللغة المرجع. إنه لمن المميز إتقان الفرنسية، أما العربية فلطالما إرتبطت بالدين و الاخلاق و التراث

ليس السياق المحلي وحده من أسس لتميز اللغة الفرنسية. بل هناك تسويق عالمي للغة الفرنسية يصورها اللغة الاكثر رومنسية و نبلا. و لهذا التسويق انعكاسات على تكون اللغة في تونس.

ولكن السؤال المطروح، كيف لهذه العوامل التي تثبت إلتصاقنا الشديد باللغة الفرنسية أن تفسر سخرية “البعض” من الأشخاص الذين يرتكبون أخطاء في حديثهم باللغة الفرنسية ؟

اولا هذا الارتباط سهل تعلم الفرنسية، لذلك فإن الجميع يمتلك حد أدنى من الاتقان. و بإعتبارها اللغة المرجع فإن الجميع يريد إتقانها لإثبات إنتمائهم للطبقة العليا . من هنا يأتي التباهي الذي يقود للسخرية، فإن كان المتحدث الفرنسية عليما ، فإن من يصلح أخطاء الآخرين فقيه

إن تظافر  عدة عوامل هو من أعطى الفرنسية هذا المقام. العوامل السياسية جعلت من الفرنسية اللغة الثانية في تونس ، و العوامل التاريخية حددت المكان الاجتماعي لهذه اللغة و السياقات العالمية اضافت إليها بريقا يبرر الإقبال عليها. و لكن هذا الإصلاح يمكن أن يأخذ اشكالا عديدة فلماذا تعتبر السخرية هي الأكثر انتشارا ؟

إن الطبقة العليا في كل مكان تسعى إلى الحفاظ على تمايزها الاقتصادي و الديني و حتى اللغوي وذلك من خلال آليات دفاع  مختلفة. إن السخرية اللغوية هي إحدى هذه الآليات . آلية لتأكيد التفرد و التميز الاجتماعي. و بما أن التقسيم المجتمعي ليس ميكانيكيا و دقيقا ، فإن الظواهر تنتقل بين الأفراد بفعل التعامل والتقليد. لذلك تجاوزت السخرية اللغوية الطبقة العليا لتصير ظاهرة عامة بين الأفراد . ولكن التوجه نحو السخرية بالذات يعود الثنائية التى تؤسس لها. فهي ليست ثنائية أفقية تمهد للتعاون، كالتعليم و النصح، فنتتج إنسانا افضل . إنما هي ثنائية تجعل الساخر جلادا ينتج ضحايا. فإن كان كانت الثنائية الاولى تهدف للتطوير و التوحيد و التجميع فإن الثانية تسعى للعزل و الإقصاء. لذلك سميت بآلية الدفاع عن التمايز اللغوي. فالطبقة العليا ، تستمد علويتها من صعوبة الدخول إليها و اتقان خصائصها إن كنت من خارجها. إن ما يجعل الدخول إليها صعب هو آلياتها التي تستعملها

إذن فإن البعض يسخر من ممن يرتكبون الأخطاء في اللغة الفرنسية كي يحافظوا على تمايزهم أو كي يثبتوا انتمائهم إلى الطبقة العليا

لماذا يسخر البعض من الذين يرتكبون أخطاء في استعمال اللغات الأجنبية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تدفع الى البحث و التساؤل عن مدى وجوب مراجعة التقسيم الاجتماعى الطبقي و معاييره. و في وجوب تغير استعمالات السخرية ، في ضرورة تحقيق تغيير فعلي و حقيقي حتى يصير البسيط من أفعالنا عظيما

فريق تحرير راديوشن – ربيع الحبيبي