7 سنوات عن لحظة النشوة الشعبية … ولا يزال المخاض مستمرا

يقول الشاعر والأديب العراقي عبد الوهاب الباياتي في وصفه للثورة الأبيات التالية: » ثورة الفقراء يسرقها في كلّ الأزمان لصوص الثورات ». نحن اليوم نقف على عتبة السنة السابعة لذكرى ذلك المسار التاريخي 17 ديسمبر-14 جانفي 2011 الذي شهده المجتمع التونسي. كانت لحظة ثورية بامتياز انتفضت على إثرها جميع الولايات التونسية بسرعة البرق في مشهد غير معهود من قبل لتحرّكات شبابية عمّالية بدون أيّة قيادة أو تنظيم، توحّدهم لحمتهم الوطنية وشعار الخبز والكرامة. لحظة كانت وليدة جملة من التراكمات التاريخية لأكثر من خمسين سنة أفاضت كأس شعب طفح كيله من الممارسات الدكتاتورية فكسر قيود سلاسله المكبّلة ليخرج من جحره ويصرخ ملئ صوته مطالبا بإسقاط النظام على أمل بزوغ فجر الحرية.

لا يسعنا أن نحلّل صيرورة التحوّلات السوسيوسياسية والثقافية والاقتصادية التي يعيشها مجتمعنا وما آلت اليه في السنوات الأخيرة دون أن نلجئ إلى الأدبيات السوسيولوجية حتى نتمكن من إدراك عمق هذا التغيير الاجتماعي ونستطيع فهمه على النحو الصحيح. سوسيولوجيا وإن اختلفت المدارس والنظريات الدارسة لنسق المجتمعات وبنيتها الهيكلية، فإن المتفق عليه من قبل العلماء والباحثين هو عدم وجود لمجتمع في طور من السكون والهدوء التام إذ عادة ما تعيش المجتمعات حركية دائمة وحالة من الغليان والجيشان الباطني ليطفو فيما بعد على سطح الراهن المجتمعي بفعل قوى الفاعلين المحركين له وما ينتج عنهم من حركات اجتماعية تكون ذات هوية ووعي بحسب تعريف آلان توران.

وقد اختلفت القراءات وتنوعت حول المدلول المفاهيمي للحظة التي عاشها مجتمعنا التونسي بتاريخ 14 جانفي 2011، فهناك من أطلق عليها اسم ثورة الشباب بحسب عالم الاجتماع التونسي مولدي لحمر وهناك من يعتبرها انتفاضة. وفي هذا الإطار، يجب أن نعي الفرق الابستيمي بين المفهومين، فالانتفاضة تحيلنا على نوع من التحرّك الفجائي وعلى شكل من الهبّات والهزّات الاجتماعية فهي حركات اجتماعية عفوية تندلع لأسباب معيّنة لتعبّر عن نوع من الغضب المستبطن ومن العنف الجماعي الذي يؤشّر على اختلال بنيوي في الوظائف وبنيات النسق الاجتماعي. في حين يحيلنا مفهوم الثورة من الناحية اللغوية إلى اندفاع الجماهير باتجاه التغيير السريع والجذري السياسي والاجتماعي داخل المجتمع بغاية تجاوز الظلم والاستبداد والفساد وكبت للحريات.

وإذا ما أردنا إطلاق التسمية الصحيحة على حركة 14 جانفي، فيمكننا القول بأنها لحظة انتفاضة بامتياز. كانت في انطلاقتها ثورية لكنه سرعان ما تمّ نكسها وعدم استكمال شروطها اللازمة صبيحة 15 جانفي لحظة الإعلان عن رئيس نيابي لسدّ الشغور خلفا لسابقه عملا بالدستور الذي كان من المفروض اسقاطه حينها وإيقاف فاعليته فعن أيّة ثورة نتحدّث إذا لا نزال نعمل بالنظام القديم تمّ اسقاطه من قبل الشعب؟

وعلى امتداد السبع سنوات عشنا لحظات تاريخية لا تمحى من ذاكرة الوعي الجمعي التونسي أبرزها المواعيد الانتخابية أين كان المواطن حينها على موعد لأوّل مرّة مع مواطنته ومشاركا فعليا في اتخاذ قرارات مصيرية لمستقبل وطنه.

سبع سنوات مرّت وقد أزهقت فيها دماء العديد من الشهداء الأبرار ونكّل بجثثهم من قبل الإرهابيين في الجبال وسجّلت العديد من الاغتيالات لوجوه سياسية بارزة عاشت وماتت بكل حرية مدافعة على راية وطنها تونس، والى الآن لن يفسح القضاء على حقيقة أطوار الجريمة المرتكبة في حقّهم…

سبع سنوات مرّت ولا تزال تلك الوجوه السياسية الشاحبة والمقيتة تهلّ علينا أيّام العيد بلباسها الرسمي لتتقيأ في وجوهنا خطابات منمّقة ونمطية حفظناها طيلة خمسين سنة لدرجة أننا صرنا نردّدها ورائهم ونصلح لهم الأخطاء الواقعة بين الفاصل والنقطة.

سبع سنوات مرّت ولا تزال نفس الممارسات القمعية من قبل السلطة والأغرب من ذلك هناك من يقف على الأطلال متحسّرا متأوّها وصارخا بفرط الوجع لعودة النظام البنفسجي الذي لطالما تفنّن في وسائل ارضاخه واسكاته وتعنيفه ليطأطئ له رأسه دون حقوق، طبعا فطعم الحرية يبدو حامضا وغير مُغر لمن يتذوّقه لأوّل مرّة.

لكن وعلى الرغم من كل هذا، هناك طيلة السبع سنوات من لم تنطفئ فيه شرارة الثورة، هناك من لا يزال حبّه لوطنه حيّا ويغير عليها من القرارات الهادمة لها، هناك من يزال يصرخ ويناضل من أجلها ويبذل قصار جهده ليشاهد رايتها مرفوعة شامخة منتصرة بين بقية البلدان. هم الشباب مناراتها وفلذاتها، شباب الاحياء الشعبية والراقية، شباب الريف والمدينة، هم من يزالوا يصرخون وطننا ويواجهون النظام الحاكم بهدف تحريرها من قبضتهم.

فأيها السادة الحكام احتفلوا بأعيادكم، نحن ليس لدينا عيد، فنحن لا نحتفل ولا نهلل بالأعياد الوطنية المنمقة، فلكم عيدكم وكراسيكم ولنا أرضنا ووطننا وعلى رأي الفنان لطفي بوشناق: »خوذوا المناصب والمكاسب .. خوذوا الكراسي بس خلولنا الوطن ».