AfroMed: وحده الفن ووحدها الثقافة هي من تقصي العنف من أجل السلم والتواصل الحقيقي:

حوارنا اليوم مع شخصية راهنت على أهمية الفن والثقافة في تونس وقررت أن يكونا هما مصدر رزقها ومصدر إلهامها وقضيتها التي تعيش من أجلها. هي نسرين الدالي، تبلغ من العمر 30 سنة، صاحبة مركز AfroMed وهي ناشطة مدنية وإعلامية بالإضافة إلى اهتمامها بالمركز المذكور.

تحدثنا نسرين عن تونس بشغف فتقول: « درسونا قديما في مادة الجغرافيا عن تونس بأنها منطقة استراتيجية، فيها الجبل والبحر والصحراء وكل عناصر الطبيعة. ولم يكذبوا. تونس فعلا منطقة استراتيجية، نحن منفتحون على إفريقيا فنتشبع من ثقافة القارة السوداء وروحها الأصيلة، ونحن منفتحون أيضا على المتوسط وشعوب العالم المتقدم، ثقافتنا ثربة ومتنوعة، هي ثقافة البحر والصحراء والغابة، ثقافة الحضارات المتواترة علينا، ومن هنا روح فكرة المركز الذي أديره: مركز منفتح على كل الثقافات التي تتشبع بها تونس ويزخر بها شبابها… »

وحول المركز، حدثتنا نسرين: « AfroMed أبوابه في أوائل جانفي 2017، نحن الآن نشتغل منذ سنة وشهر. لا أخفيك أننا نعاني من صعوبات مالية ولكننا لن نتوقف ونواصل العمل مهما حدث. اختصاصنا الأساسي يتعلق بالأطفال والمراهقين  بدرجة أولى من المرحلة التحضيرية نحو المرحلة الابتدائية، والمتوسطة. نحن نسعى إلى خلق التعبيرات الجديدة وإدخالها إلى ثقافة مجتمعنا. حين أتحدث عن الخلق هنا، لا أقصد أننا نحن من سيقوم بخلقها، إذ هي موجودة أساسا في الثقافة الغربية مثل الهيب هو، الراب، ومسرح الشارع. ما نفعله هو استقطاب هذه الفنون ودمجها مع موروثنا ومنح منصة جديدة للتعبير لهؤلاء الصغار المتشبعين بهذه الثقافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام وغيرها… »

تواصل نسرين حديثها فتقول: « من بين إنجازات الصغار في المركز، تسجيل ألبوم في الراب. عادة من يسمع كلمة الراب يرتعب ويظن أننا نعلم الراب بمفهومه المتداول حاليا وكما نسمعه. الراب لا يخيف، وليس منحصرا في الكلام البذيء أو التعبير السمج عن إشكالات الواقع. وقد تمكن الصغار من إنجاز عمل ممتاز إذ قدموا الخرافات على شكل أغنيات الراب. علي أن أؤكد أن الخرافات تختلف من جهة إلى أخرى، فحكاية أم سيسي ليست هي نفسها الموجودة في قفصة أو سوسة أو تونس: أم سيسي التي قطعت ذيل القط لأنه من أكل سمك الغداء. بوصف أننا لا نريد التشجيع على العنف ضد الحيوانات ونريد أن نلقن الناشئة قيما بعيدة عن العنف جعلنا القط يتسبب في قطع ذيله في الخرافة عبر تهوره ومحاولته القفز لأخذ السمك من مكان مرتفع فسقط قوق السكين وتسبب في قطع ذيله.

لم نشتغل على خرافة أم سيسي فقط، بل عملنا أيضا على حكايات الصرار والنملة، الاسد والفأر، وتناولنا أيضا موضوع العودة المدرسية، واللباس التقليدي وغيرها. أما فيما يتعلق بالهيب هوب فنحن نقوم بتعليم الصغار عبر أستاذ مختص. معدل الأعمار في مركزنا لا يتجاوز 25 سنة وهو أمر مقصود كي نعزز من التقارب بين الأجيال وكي يكون الأساتذة صوت الجيل الجديد والمرسخين لقيمنا كما تربينا عليها نحن في صغرنا أيضا… »

تستفيض نسرين في التحدث عن نشاطات المركز فتقول: « قمنا بتنظيم العديد من التظاهرات خاصة إبان العطل. نحن نعمل على ترسيخ القدرة على التعبير لدى الطفل ونجعله يكون متمكنا من الحكاية ويكسوها بخياله كسوة جديدة ومنها نعلمه طريقة تغليفها بطريقة فنية. أهم مبدأ نعتمده أن ثقافة الإبداع تقوم على الحرية، نحن نمنح الحرية والتقنيات وللصغير الحق في التعبير كما يريد. العديد من الآباء يريدون برامج محددة بيداغوجيا ولكني أعتقد أنه في التعبير الفني لا يجب أن تكون هناك حدود مقننة. يجب أن يرفه الطفل عن نفسه بطريقته الخاصة، وعلينا نحن أن نصقل تلك الطريقة ونمنحها الطابع الإبداعي الفني… »

وتواصل نسرين في نفس السياق فتقول: « وحده الفن ووحدها الثقافة هي من تقصي العنف من أجل السلم والتواصل الحقيقي. العنف ينبت من الكبت والحرمان وفقدان القدرة على التعبير. نحن في المركز نسعى  كي يبني صغارنا جسور تواصل ويستطيعون خلق صداقات مع صغار آخرين مختلفين عنهم. صحيح أن AfroMed مجهز لذوي الإعاقة غير أننا نقبل جميع الصغار ولا نفصل بينهم. بل نسعى لخلق التناغم والاندماج بينهم، ونحن ناجحون إلى حد الآن. في العطلة الأخيرة قمنا بنشاط « مدرسة العطلة » أين عملت مجموعة الهيب هوب، المسرح، الموسيقى والرسم معا. وفرح الصغار كثيرا واستمتعوا للغاية بوقتهم. نحن نجهز قريبا  نشاط يوغا المطالعة والتعبير وهدفنا من كل ذلك ترسيخ قيمة انفتاح الأفق، والانفتاح على الثقافة وقبول الآخر والامتلاء منه ودعمه مهما كان… »

تختم نسرين حديثها بقولها: « المركز ليس مفتوحا للموهبين الظاهرين فقط، بل هو مفتوح لغير الموهوبين أيضا. لأننا نؤمن بأن أي طفل يمتلك موهبة في داخله ويمكن أن تتفجر في أي وقت. عملنا يقتضي أن نحرره من تلك القيزد وأن نجعله يعبر عن نفسه وموهبته بانطلاق وحرية. قطعا لا ندعي أننا قادرون على إنتاج حيل من الفنانين والمبدعين، ولكننا نسعى إلى ذلك، ولم لا ربما في يوم ما يمكننا أن نحقق هذا الحلم… »

ختاما، نشكر نسرين من أجل هذا الحوار الشيق، شابة تمنح من نفسها ووقتها وطاقتها من أجل الأطفال وغرس القيم الإنسانية فيهم منذ صغرهم، آملين أن نفنح العيون عبر هذه اللقاءات على الحقيقة الأولى التي لا مناص من الاعتراف بها إن أردنا فعلا البناء لمستقبل أفضل، بالثقافة وحدها يمكننا أن نتواصل. بالثقافة وحدها يمكننا أن نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة.

فريق راديوشن

حاورها سيف الدين الوسلاتي